سطات .. عندما يحال شرفاء المهنة على التقاعد في صمت

محمد منفلوطي_هبة بريس

ما أن تشرف السنة الدراسية عن الرحيل، حتى ترحل معها أعمدة المنظومة التربوية وركائزها الأساسية معلنة عن توقف عقارب ساعات عملها التي قضوها جميعا داخل مؤسساتهم التعليمية إما تدريسا أو تدبيرا إداريا أو اشرافا، خروجهم يكون بألوان طيف مختلفة يأخذ أشكالا مختلفة غالبا ما يكون بطعم التقاعد بصنفيه.

مع كل نهاية سنة دراسية، تغادرنا وجوه ألفناها وألفنا التشاور معها وأخذ النصح منها في تدبير أمور عملنا اليومي داخل اداراتنا التربوية، تعلمنا الحنكة والصبر والتواصل الفعال على أيديها، بادلناها الحب فبادلتنا الشيء ذاته، أخذنا منها الكثير وأعطت الكثير وغادرت في صمت بعد أن كانت في الصفوف الأمامية تقاوم وتناضل من أجل نصرة المدرسة العمومية…إنهم شرفاء المهنة الذين أنهوا مشوارهم المهني مرفوعي الرأس.

ليس تبجحا أو تملقا أو تطبيلا كما يذهب إليه البعض ويظن، بل هي الحقيقة والحقيقة الكاملة التي يغض البعض الطرف عنها إما ناسيا او متناسيا، دون ذكر ولو كلمة شكر في حق هؤلاء بعد مغادرتهم لكراسي مكاتبهم، بعد ماعدى اشعارهم بانهاء مهامهم بعبارة لاتليق بهم ولا بتضحياتهم مفادها ” لقد شطب عليكم من الوظيفة العمومية” وا أسفاه.

إنهم نماذج من نماذج شتى لرجال ونساء التعليم ممن رفعوا الطبشورة وسقوا ساحات المعركة بدمائهم الزكية انخراطا طوعيا، فارتدوا الوزرة البيضاء، وانتصبوا شامخين أمام السبورة السوداء، دفاعا عن المدرسة العمومية، كمعلمين وأساتذة ومربين، ومنهم من تقلد مناصب إدارية، سلاحهم العلم وزادهم المعرفة وعزة النفس، كان لهم الفضل علينا وعليك وعليهم، ربوا الاجيال ولقنوا الدروس وساهموا في بناء الأمة وصناعة الاجيال…إنهم شرفاء مهنة التعليم.

نموذج اليوم نسوقه من قلب مؤسسة تعليمية عريقة انتصبت شامخة بقلب مدينة سطات، اسم على مسمى يرتبط ارتباطا بقائد جيش عظيم، انها مدرسة ابن تاشفين التابعة للمديرية الاقليمية للتعليم بسطات، على رأسها عين رجل شهم ذو اخلاق عالية رياضي بامتياز، طاف القرى والمداشر جريا وهرولة وعدو ريفي، لا يأبه لريح صرصر ولا لشمس حارقة، تجده منتصب القامة على باب المؤسسة كمدير تربوي بكفاءة عالية وعزة نفس وهندام يليق به، إنه الاستاذ محمد بلقزبور، من طينته كثيرون، رفعوا مشعل الاصلاح والانفتاح وأناروا طريق النجاح.

رجل إداري بامتياز، شريف و عفيف قضى زهرة شبابه خدمة للمدرسة العمومية كمعلم للأجيال، تراه يسابق الطيور في البكور، شامخا كالرمح يفتح بابه للصغير قبل الكبير، يلقي سهام المعرفة فيصيب بها مكامن الخلل، قبل ان يختار في الأخير التدبير الاداري على رأس مدرسة يوسفبن تاشفين.

شأنه كشأن كل من علمنا حرفا فصرنا له عبدا احتراما وتقديرا ليس تعبدا، إنه الاستاذ محمد بلقزبور الذي عرفته عن قرب فوجدت فيه الاب والاخ والصديق والمربي، وجدت فيه شيم الرجال ، ليس أشباههم ممن باتوا يخترعون النضال ويختبئون وراء منصات التواصل تطبيلا وتزميرا، إنه نموذج من نماذج رجال التعليم الشرفاء الذين أنهوا مشوارهم المهني، مودعين الإدارة التربوية وهم مرفوعي الرأس.

لحظة مؤثرة، وهو يقف أمام لجنة مختلطة مكونة من الاستاذ كمال يوسف عن المديرية الاقليمية والاستاذ عبد الهادي السبعي، ليسلم مقاليد التدبير الاداري لمدير آخر من بني جلدته قادما بدوره من العالم القروي كمدير مدرسة ابتدائية، في مشهد تربوي بامتياز أشاد من خلاله الجميع بالمسار المشرف للمغادر، وجديته واخلاصه في أداء الوجب المهني وفعاليته مع محيط المؤسسة.

إنها لحظات معبرة، تحمل في طياتها رزماتة من الحب المحبة والإخاء والتقدير لهذا الهرم الشامخ الذي ستبقى ذكراه راسخة ومدوية ومنقوشة من بحروف ذهبية في أذهان كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وداعا ايها الاستاذ الرائع والاب الصالح، والمدير الناجح، وداعا استاذي محمد بلقزبور متمنين لك حياة سعيدة رفقة اسرتك وعائلتك بعد أن أنهيت مشوارك المهني بشرف متقاعدا…لك منا ألف تحية وتقدير، وهي رسالة للجهات الوصية على القطاع لتكريم مثل هاته الطاقات التي اعطت الكثير ولو بكلمة شكر تنسيها مشاق العمل كعربون محبة وتقدير على ما أبذلوه من خدمة جليلة لصالح المدرسة العمومية والمنظومة التعليمية ومحيطها التربوي والاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى