اقصائيات مجابهة كورونا.. وتحديات مدن القسم الأول

محمد منفلوطي_ هبة بريس

وضعت التدابير الاحترازية والاجراءات القانونية التي اتخذتها الدولة منذ الوهلة الأولى لبزوغ بوادر تفشي وباء كورونا، ( وضعت) الجميع في سباق مع الزمن لتخطي فترة الحجر الصحي، وبات شغل الناس الشاغل هو التخلص من الكابوس الذي سقط جاثما على قلوب البشرية محدثا اضطرابات في السلوكات والعلاقات الاجتماعية طالت حتى التقاليد والعادات، ناهيك عن انعكاسات ذلك على الوضعية الاقتصادية، أرغمت الحكومات على البحث عن حلول من شأنها أن تخفف من تداعيات الكابوس الذي لامحالة سيترك آثارا سلبية طالت حتى نفسية وسلوكات الأطفال الصغار.

فمع بدء العد العكسي للخروج من الحجر الصحي الذي فرضه فيروس كورونا والمتوقع إنهاؤه بشكل نهائي حسب التوقعات في أوائل شهر يوليوز المقبل، دخلت البلاد في مرحلة التخفيف من قيوده بدءا بتصنيف مدن ضمن طبقتين بلونين مختلفين، وبامتيازات مختلفة، وصار فضاء التواصل الاجتماعي يعج بقصاصات وفيديوهات وصور وآراء بطعم الفكاهة والتسلية، لرواد ونشطاء حولوا من القضية منصة لتبادل التهاني والتبريكات والمستملحات بلغت مبلغ مقارنة الأمر وكأن عبارة عن تصفيات لقرعة كرة القدم، بعد أن قفزت مدن إلى مربع النجاة فيما ظلت أخرى مصنفة ضمن مجموعة الموت بلغة عشاق الكرة المستديرة.

فبعد أن وضعت التصفيات مدنا ضمن المدن المفرج عنها والمحظوظ سكانها نظرا لحجم الامتيازات والتنقل بكل حرية دون الحصول على رخص استثنائية مع الاستفادة من هامش الحرية في التنزه وممارسة الرياضة الفردية، عكس مدن الطبقة الثانية التي لازال مواطنوها ملتزمون بتدابير الحجر الصحي رغم تخفيفه.

ولأن الخروج من الحجر الصحي أصعب من فرضه، لأنه يستلزم ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الوضعية الوبائية وهاجس كيفية تفادي الرجوع إلى الوراء، وتجنب ما هو أسوأ، وفي الوقت نفسه الاستمرار في النجاح رغم كما أشار إلى ذلك رئيس الحكومة سعد الدين العثماني ذاته، فما على ساكنة مدن المنطقة الأولى إلا أن يتخذوا المزيد من التدابير الاحترازية والاجراءات الوقائية لكي يستمروا في التربع على سبورة الترتيب، وإلا أن النتائج ستكون عكسية بطابع فجائي قد تضعهم ضمن مربع الموت بطعم الانتكاسة.

إن الملاحظ على مستوى الواقع اليومي لمدن وساكنة المنطقة الأولى وتعامل البعض مع الوضع وكأنه إعلان نهائي عن انتهاء شبح الفيروس القاتل لمن شأنه أن يدخل البلاد في انتكاسة، وهو ما حذرت منه جهات رسمية طالبت بضرورة الحفاظ على المكتسبات التي راكمها المغرب في تعاطيه مع هذه الجائحة.

كاميرا هبة بريس، رصدت عن قرب تفاعل ساكنة مدينة سطات كنموذج للعديد من المدن التي استفادت من تخفيف قيود الحجر الصحي، وعلى مايبدو أن التفاعل مع القرار كان ايجابيا وخلف ارتياحا بين صفوف الاطفال الصغار الذين وجدوا أنفسهم في “سراح مؤقت” لمعانقة حرية اللعب والتنزه والجري بطرق هستيرية، بعد أن شدت الساكنة الرحال صوب الشوارع العامة وإلى المنتزهات والغابات والفضاءات العمومية، لكن الملاحظ لدى بعض الناس هو اظهارهم لنوع من التراخي واللامبالاة في التزامهم بقواعد التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات والتعامل باستهثار، لتبقى كلها مؤشرات تدل على أن هناك سوء تقدير للمخاطر التي قد تباغث جمهور المواطنين في أي وقت، وتعيد حسابات الترتيب من شأنها أن ترمي بهم في قسم الهواة بلغة كرة القدم، تماشيا ومقولة” لي حرثو الجمل دكو”.

فإذا كان تحديات المرحلة قد عجلت باتخاذ قرارات جريئة للتخفيف من الحجر الصحي، ووضع خطة إنعاش الاقتصاد الوطني، والتفكير في إعداد مشروع قانون المالية التعديلي، فإن الأمر يتطلب يقظة وحكمة وتبصر وانخراط تام من قبل المواطنين والهيئات السياسية والاتحادات العمالية والجمعيات المهنية والفعاليات الجمعوية والاعلامية، للمساهمة بخططها ومقترحاتها وبجدية إشراكها في التدبير الجماعي لاحتواء الأزمة لأن ما يهم الآن هو الحفاظ على المكتسبات.

فحسب العديد من آراء المحللين السياسيين والباحثين الاكاديميين ، فإن قرار تخفيف الحجر الصحي يعد من الملفات الأكثر حساسية لارتباطه أساساً بتطور الحالة الوبائية، وبمدى قدرتها على دفع الجميع إلى التعبئة والالتزام بالقواعد الصحية، ولهذا السبب، نجد أن الحكومة تراهن على المشاورات مع الأحزاب والنقابات والهيئات المهنية، لتعميق النقاش حول تدبير ملف تخفيف الحجر الصحي تمهيدا لرفعه نهائيا، وحتى لا تتحمل وحدها وزر الفشل لا قدر الله، فإنها تعمل جاهدة على معالجة الموضوع وفق منظور شمولي بمقاربة تشاركية، لكن يبقى الرهان الأخير والأهم هو مدى التزام المواطنين بقواعد التباعد الاجتماعي ومدى قدرتهم على الاستمرارية في تطبيقها والتخلص من بعض العادات التي قد تعيد عقارب الأحداث إلى الوراء، وهي رسائل لكافة المواطنين، على رأسهم ساكنة المناطق المصنفة ضمن الطبقة الأولى للحفاظ على مكتسباتهم بحس انساني وطني ومنافسة شريفة، وهي ايضا رسائل لساكنة المنطقة الثانية للالتزام بالتدابير الاحترازية والاجراءات الوقائية لكي يقفزوا على سلم الترتيب ويلتحقوا بقسم الكبار، وبالتالي المساهمة في انجاح الخطة الوطنية التي رسمها المغرب تحت القيادة الرشيدة لملك البلاد والتي كانت تجربة ناجحة بكل المقاييس أبهرت المنتظم الدولي.

ما رأيك؟
المجموع 0 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق