حالة الطوارئ الصحية وأزمة حماية المال العام

سعيد بعزيز

أحدث الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورنا ـ كوفيد 19، بمبادرة ملكية سامية، وساهم بشكل كبير في تخفيف حدة الألم والمعاناة الناتجة عن تداعيات تفشي فيروس كورنا ـ كوفيد 19، اعتبارا لكونه يستهدف في أولوياته المنظومة الصحية، والفئات الفقيرة والهشة، ثم المقاولات المتواجدة في وضعية صعبة.
فبمجرد الإعلان عنه، والبدء في التبرع لفائدته وتخصيص اعتمادات من الميزانية العامة، فتحت أفواه قناصي الفرص من أجل الركوب على الموج والاستفادة منه، إذ أبانت المرحلة الأولى، من حالة الطوارئ الصحية، على تساهل الحكومة وقصورها، في مواجهة أطراف تعاكس التوجه العام للدولة، عبر السكوت على تصرفاتهم الرامية إلى الاغتناء غير المشروع، من أموال هذا الصندوق، الخاص بالأشخاص المستضعفين ذاتيين أو معنويين، مما جعلنا أمام حكومة عاجزة كليا عن مواجهة وكبح جشع مصاصي دماء البلاد.
تختلف أشكال وتجليات الفساد المالي المرتبط بهذه المرحلة، من استفادة الأغنياء والميسورين من نظام المساعدة الطبية، بعلة عدم خضوعهم لأي نظام للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، إلى تبييض الأموال بما في ذلك المتراكمة لديهم نتاج التهرب الضريبي واستغلالها في المساعدات السياسية والاقتيات على الجنائز والاتجار في مآسي الفقراء بمباركة بعض المسؤولين المحليين، إلى استخدام الأجراء في القطاع غير المهيكل بنصف الأجر ومطالبتهم بتقديم التصريح قصد الاستفادة من النصف الآخر من الصندوق، إلى فتح الوحدات الصناعية والحرفية والتصريح بكون المقاولة توجد في وضعية صعبة، للاستفادة من دعم الصندوق، في أداء الأجور من الدعم الذي يخوله لهم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بسبب توقفهم الوهمي عن العمل، وتحايل المؤسسات التعليمية الخصوصية التي تقر من جهة بانخراطها في عملية التعليم عن بعد، ومن جهة أخرى بتوقفها عن العمل، وجشع العديد من المقاولات التي لم توفر وسائل التعقيم والتطهير بوحداتها مما أدى إلى إصابات مئات الأجراء بالفيروس، إلى إنتاج كمامات غير مطابقة للمواصفات المتطلبة قانونا، إلى مطالبة اصحاب المأذونيات سائقي سيارات الأجرة بأداء مستحقات شهرية، بالرغم من عطالتهم.
وفي الجانب المؤسساتي، ساهمت دورية وزارة الداخلية الرامية إلى التعجيل بالتدخل، من خلال الاقتصار على إخضاع الصفقات التي سيعلن عنها رؤساء الجماعات الترابية لاقتناء مواد التطهير والتعقيم والقفف المخصصة للمساعدات الإنسانية للسلطات الإقليمية والولائية دونما حاجة للرجوع إلى المجالس من أجل البرمجة، مما كشف نوعا آخر من الفساد، وتبديد المال العام، عبر لجوء بعض الرؤساء إلى منح الصفقات لشركاتهم وأقاربهم لتوفير الحاجيات المرتبطة بهذه الظرفية مقابل اعتمادات مالية مبالغ فيها، ودون احترام للمقادير المتعلقة بالتطهير والتعقيم، ومختلف مواد النظافة، والاقتصار أحيانا كثيرة وفي جماعات عديدة على ماء جافيل وأحيانا أخرى على الكلور، ورشه بطرق بدائية غير مجدية.
إنه المال العام، الذي أحدث من أجله جلالة الملك الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورنا ـ كوفيد 19، بهدف حماية المواطنات والمواطنين وفي مقدمتهم الفئات الهشة والفقيرة والأجراء وكل المهن المتواجدة في الواجهة، من تداعيات هذا الوباء، والذي يتعين ضمان وصوله إليهم عبر الخدمات الصحية والدعم المالي المخصص للفئات الهشة والفقيرة والمقاولات الموجودة في وضعية صعبة، ويقتصر هذا الدعم على المستحقين فقط.
فالغريب في الأمر، هو أن يتوصل الغني بالدعم عبر طرق ملتوية، والفقير يؤمن بضعف إمكانيات الدولة ولا يتوصل بالدعم وينخرط بكل مسؤولية في الجهود الوطنية المبذولة من أجل الحد من تفشي هذه الجائحة، وأن تتخلى الجماعات الترابية عن فكرة “من وإلى المواطن” وتصبح مصدر اغتناء فاحش في زمن مؤلم.
إن الظروف الحرجة التي تمر منها بلادنا، تجعل الجميع مطالب بالانخراط والمواكبة في التعبئة والتلاحم الوطنيين، عبر تعزيز وتكريس مبادئ الشفافية والحكامة، واعتماد مزيد من الضبط بخصوص طرق وآليات توزيع الدعم واستهداف المتضررين بشكل مباشر، من سكان القرى والجبال، والأرامل والأشخاص في وضعية إعاقة، وكل من يوجد في وضعية صعبة.
إن مسؤولية الحكومة اليوم، هو الانتقال من مجرد الاستنكار وإعلان النوايا، إلى حماية المال العام، سواء المتعلق بهذا الصندوق، أو بميزانية الجماعات الترابية، عبر إرساء إجراءات صارمة حتى لا تمتد الأيادي الآثمة وغير المستحقة إلى المال العام، باعتباره شرطا أساسيا للتنزيل الهادف للتوجيهات الملكية، واستجابة للتطلعات الراهنة للمواطنات والمواطنين.
فلتعمل الحكومة على وقف شجع المضاربين والمحتكرين والمتهافتين وراء الربح غير المشروع، وعلى التنزيل الحرفي للقانون، وإحالة كل المتورطين في جرائم تبديد أو اختلاس المال العام، أو الحصول عليه بواسطة النصب من خلال الإدلاء بتصريحات غير مطابقة للواقع، وإيقاع الدولة في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة، على السلطة القضائية للمحاكمة. فبمجرد أن تطالب مصاصي دماء هذا الوطن بإرجاع ما توصلوا به بغير موجب حق ليس بالقرار الصائب، بل يلزم لمحاربة الفساد الانطلاق من عدم الإفلات من العقاب باعتباره الحل الوحيد.
لنحافظ على ثقة المواطنات والمواطنين في المؤسسات، ولنساهم في تكريس مبادئ الشفافية والحكامة من أجل أن يصل الدعم إلى الجهات المستهدفة، خاصة أن العديد من الأسر المعوزة والمقاولات المفلسة لم تتوصل به بعد.
فلنعمل بكل حزم على محاربة الفساد بكل مظاهره ومستوياته وآلياته.

ما رأيك؟
المجموع 0 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. رمضان كريم للجميع

    ملاحظة، جميع الدول الحظر بداو يحيدوه ، واخا عندهوم الحالات بالالاف ، حيت مايمكنش للدولة تبقى تخلص وبنادم ناعس فدارو، أيجي نهار الدولة أدير إفلاس، و ماتلقاش باش تخلص بنادم، ويموت بالجوع

    يعني من المستحيل يبقى الحظر العام كامل الى ما لا نهاية، الحل هو اللقاح، وحاليا الحل هو الوقاية والاحتياط وعدم التجمهر والتجمعات. أما الحظر مدى الحياة مايمكنش.

    راه التعايش مع الفيروس ضرورة لا مفر منها

  2. مبادرة صاحب الجلالة كانت ترمي الى دعم قطاع الصحة الذي يعاني قبل الجاءحة ، وكذا الفقراء .الا انه حدث ما كان منتظرا .حيث هرول اصحاب راميد واغلبهم اغنياء (تجار ،……) ، وتبعتهم مقاولات التعليم الخاص ، بعض المصحات والمقاولات …..والكل يجري وراء المساعدة التي ساهم في جمعها بعض الاغنياء الكبار الغيورين واولهم ملكنا حفظه الله ، واقتطاعات وليس مساهمات الموظفين الضعفاء .ان اعادة النظر في شروط تسليم بطاقة راميد اصبح ملحا ،ويجب الضرب على ايد المتلاعبين للخروج من الوضعية الحالية .تحياتي الى من هم في الواجهة : الاطر الصحية ، الامن ، والسلطات المحلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق