الحكامة الضريبية في التشريع المغربي بين النص القانوني والواقع العملي

عبد العزيز موهيب

باحث في سلك الدكتوراه في المجال الضريبي

مما لا شك فيه أن مفهوم الضريبة شكل منذ عهد طويل أهم المفاهيم التي ارتبطت بالأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ومصدرا أساسيا من مصادر التمويل لدى المجتمعات القديمة والدول الحديثة على حد سواء ، ومرجع ذلك بالأساس هو مساهمة الأفراد في التكاليف العامة للدولة مقابل ما تقدمه لهم من خدمات متنوعة إن على مستوى توفير الأمن وتأمين الخدمات الاجتماعية العمومية وغيرها، إذ أنه ومنذ العهد القبلي استعمل هذا المصطلح للدلالة على تلك الفريضة المالية التي تقدمها القبائل المهزومة لفائدة القبائل المنتصرة من أجل تحقيق السلم القبلي واستباب الأمن العام ، وبعد تجمع القبائل على شكل وحدات سكنية ، أصبح هؤلاء السكان يدفعون تلك الضرائب للحاكم مؤازرة له في الأوقات الصعبة ، ومساهمة منهم في تحمل الأعباء العامة ، حيث ظهرت نظريات فلسفية تؤطر لمشروعية هذا الفعل الذي سوف يتحول من طابعه الاختياري إلى الصيغة الإلزامية ، نتيجة التعاقد أو ” العقد الاجتماعي ” بين الأفراد والمجتمع أو الدولة و الذي نادي بها فقهاء القرنين السابع عشر والثامن عشر وعلى رأسهم الفيلسوفين الإنجليزيين” توماس هوبس” ” وجون لوك ” والفيلسوف الفرنسي ” جان جاك روسو ” وتتلخص نظريتهم في تنازل الأفراد بشكل صريح أو ضمني عن بعض حرياتهم لفائدة السلطة أو الحاكم لقاء حماية حقوقهم . ومع تطور المجتمعات وظهور الدول الحديثة بمفهومها المعاصر، تبلورت فكرة فرض الضرائب التي أصبحت واجبا وطنيا ،يساهم من خلاله الملزم بها في تحمل التكاليف العمومية لقاء ما يستنفذه من خدمات عمومية .
وهكذا فمعظم الدول تحرص على تنظيم المجال الضريبي بشكل دقيق ومحكم، رغبة منها في عدم إضاعة المال العام المتحصل من هذه الضرائب على اختلاف أنواعها ، وذلك بوضع التقنيات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يمكن من مردودية وفعالية عند البحث عن المادة الضريبية ،مما يضمن مساهمة الجميع كل على قدر استطاعته في التكاليف العمومية واضعة بذلك الآليات اللازمة لتنفيذ السياسة الضريبية بشكل جيد ، مانحة إياها مجموعة من الامتيازات قصد تمكينها من القيام بوظيفتها والدفاع على حقوق الخزينة العامة ، كامتياز السلطة العامة بحكم مهمتها في ربط وتحصيل الضريبة ، في المقابل ولحماية الملزم مما قد يلحقه من تعسف أو شطط ضد حقوقه المالية من الإدارة الضريبية أرسى ضمانات قانونية تمكنه من تحصين هذه الحقوق، حيث يساهم بالقدر القانوني في إطار العدالة الجبائية، كما يمكنه الاستفادة من إعفاءات ضريبية جزئية كانت أو كلية متى تحققت شروطها، أو يطالب باسترداد مبالغ مالية دفعها بغير موجب قانوني .
في نفس السياق أرسى المشرع الدستوري قواعد هامة في مجال الحكامة بصفة عامة ،إذ خصص لها بابا كاملا من الدستور الاخير ربط من خلاله المسؤولية بالمحاسبة، وأرسى مبادئ الشفافية والنزاهة واستمرارية المرفق العام ، مع النص على خلق مؤسسات جديدة ، تلخصت مهامها في بلورة مبادئ الحكامة الجيدة. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن قواعد التنزيل الصحيح للعدالة الجبائية ميدانيا ؟ هذا الاشكال تتفرع عنه مجموعة من التساؤلات الفرعية تتجلى في :
• هل الاصل في الالتزام الضريبي براءة الذمة أم التكليف؟
• إلى أي حد تجسدت أسس الحكامة الجيدة في نظامنا الضريبي؟
• ما هي الضمانات المخولة للملزم ضد أي تعسف محتمل من الادارة الضريبية ؟
• ما هي السلطات الممنوحة للقاضي الضريبي لخلق توازن بين طرفي العلاقة الضريبة ؟
• ما هي المعيقات التي تحول دون تحقيق عدالة جبائية وفق الاسس الحكماتية ببلادنا؟

ولمقاربة الموضوع والإحاطة بالتساؤلات المطروحة أعلاه، سنعمل على تناول الموضوع في محورين :
الأول نسلط فيه الضوء على مفهوم الحكامة الضريبية في التشريع المغربي، على أن نخصص الثاني لإكراهات العدالة الضريبة .

المحور الأول : الحكامة الضريبية في التشريع المغربي.
إن الحديث عن الحكامة الضريبية بالمغرب، يدفعنا بالضرورة إلى بسط مبادئ هذا المؤسسة وفق التصور الدستوري، باعتباره أسمى قانون ببلادنا (أولا) وذلك بغية الوقوف على درجة تحقيقها على أرض الواقع (ثانيا) محاولة منا لملامسة تجسيدها ميدانيا ،لكن وحتى نكون منهجيين ، لابد من توطئة موجزة نحدد بمقتضاها مفهوم الحكامة الضريبية، إذ شكل الاهتمام الكبير الذي هم مفهوم الحكامة الجيدة لدرجة اختلفت في تحديده الدراسات التي تناولته لكثرتها، لكن بغض النظر عن هذا الاختلاف، فإن المصطلح ظهر مع الثورة الصناعية على المستوى الاقتصادي ، وتحديدا في المجال المقاولاتي، ليشير إلى التدبير الجيد للمقاولة بغية تحقيق نتائج فضلى لفائدتها ، ثم انتقل إلى المجال السياسي ،من أجل تدبير محكم وعادل للقضايا العامة والمؤسسات السياسية العمومية ،وبعد ذلك تناقلته وسائل الاعلام والصحف والمجلات حتى أصبح شائعا بين عموم الناس.
ودخل مصطلح الحكامة الجيدة للمغرب، كما باقي البلدان النامية ، كنتيجة حتمية عن طريق المؤسسات الدولية المانحة للقروض ، والتي فرضت مجموعة من الضوابط والاسس تحت مسمى” الحكامة الجيدة ” ينبغي احترامها كشرط أساسي للاستفادة من هذه القروض .
وهكذا فحسب البرنامج الانمائي لهيئة الامم المتحدة فهي :”نوع جديد من العلاقات والشركات المؤسسية التي تتمحور حولها مصالح الجماعات والافراد ، وممارسة الواجبات والحقوق المختلفة ، وفض النزعات وصقل القدرات ودعم عملية التواصل داخليا وخارجيا.”

أولا : مبادئ الحكامة الجيدة وفق التصور الدستوري.
بالرجوع إلى دستور المملكة نجدة قد خصص لموضوع الحكامة الجيدة ، بابا كاملا و هو الباب الثاني عشر تناولها عبر سبعة عشر فصلا (من الفصل 154 الى الفصل 171 ) ،حيث من خلالها تظهر الأهمية التي كرسها المشرع الدستوري لهذا الموضوع، باعتباره موضوعا يفتح الباب نحو الديمقراطية الحقيقية التي تنبني عليها التشريعات الغربية المتقدمة في سياساتها المحلية و الوطنية، وقد نص المشرع الدستوري على جملة من المقتضيات الهامة وتقنينه لمجموعة من المؤسسات و الهيئات التي أوكل لها مهام السهر على التطبيق السليم لمبادئ هذه الحكامة .

أ : الاسس الدستورية للحكامة الجيدة .
عمل الدستور على تنظيم المرافق العمومية، وذلك بنصه في الفصل 154على أنه “يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات. تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.
وهكذا يؤكد أولا على أن تنظيم المرافق العمومية يجب أن يتم وفق المعايير التالية:
*المساواة بين المواطنات و المواطنين في الولوج اليها
*الإنصاف في تغطية التراب الوطني
*الاستمرارية في أداء الخدمات
كما وضع المشرع في هذا الفصل الدولة كطرف يراقب مدى خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة و الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يكرس القيم الديمقراطية: وذلك بتنصيصه على ضرورة خضوع المرافق العمومية للمعايير المتفق عليها كالجودة في تقديم الخدمات و الشفافية و النزاهة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
ومن المبادئ الهامة التي نص عليها الدستور في هذا الباب ربط المسؤولية بالمحاسبة، أي خضوع المرافق العمومية للمراقبة و التقييم حيث ينص الفصل 158 من الدستور على أن “كل شخص يمارس مسؤولية عمومية منتخبا كان او معينا يجب ان يقدم طبقا للكيفيات المحددة في القانون تصريحا كتابيا، بالممتلكات و الأصول التي في حيازته بصفة مباشرة او غير مباشرة بمجرد تسلمه لمهامه و خلال ممارستها و عند انتهائها.

ب :الهيئات التي أسند لها المشرع السهر على تطبيق الحكامة الجيدة .
/ هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها:
• المجلس الوطني لحقوق الإنسان : نص الفصل 161 من الدستور على هذه المؤسسة واعتبرها ” مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال.
• الوسيط : حيث حل محل ديوان المظالم الذي كان معمولا به قبل صدور دستور 2011 و عرف الفصل 162 من الدستور هذه المؤسسة بأنها ” مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية.
• مجلس الجالية المغربية بالخارج : الذي تم خوله المشرع مكانة دستورية بمقتضى الفصل 163 حيث ” يتولى مجلس الجالية المغربية بالخارج، على الخصوص، إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه.
الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز: المحدثة بموجب الفصل 19 من الدستور التي اقر الفصل 164 منه انها تعمل على على احترام الحقوق والحريات المنصوص عليها في الفصل المذكور، مع مراعاة الاختصاصات المسندة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

هيئات الحكامة الجيدة:
• الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري : مكانتها الدستورية توضحها المهام المنوطة بها وهكذا ينص الفصل 165 على انه ” تتولى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري، وذلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة.
• مجلس المنافسة يقضي الفصل 166 أن ” مجلس المنافسة هيئة مستقلة، مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.”
• الهيئة المركزية للنزاهة و الوقاية من الرشوة ومحاربتها : التي تعد من بين المؤسسات الدستورية التي اولها المشرع الدستوري أهمية بدورها بنص الفصل 167 الذي ينص على أنه ” تتولى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، المحدثة بموجب الفصل 36، على الخصوص، مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة. هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركي العلمية ”

ج : هيئات النهوض بالتنمية البشرية و المستدامة و الديمقراطية التشاركية
• المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث: حدد المشرع الدستوري مهامها بمقتضى الفصل 168 فهي بالتالي ” هيئة استشارية، مهمتها إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا حول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وسيرها. كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال.”

• المجلس الاستشاري للأسرة و الطفولة وله ” مهمة تأمين تتبع وضعية الأسرة والطفولة، وإبداء آراء حول المخططات الوطنية المتعلقة بهذه الميادين، وتنشيط النقاش العمومي حول السياسة العمومية في مجال الأسرة، وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية، المقدمة من قبل مختلف القطاعات، والهياكل والأجهزة المختصة.”

• المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي : المحدث بموجب الفصل 33 من الدستور و اعتبره الفصل 170 منه ” هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية. وهو مكلف بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين، وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وتنمية طاقاتهم الإبداعية، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية، بروح المواطنة المسؤولة.”

ثانيا: اسقاط أسس الحكامة الجيدة في المجال الضريبي:
ارتبط النظام الضريبي عادة بالعدالة الضريبية أو الحكامة الضريبية التي تحيلنا مباشرة على ضبط المجال الجبائي وخضوع إجراءاته للقانون، حيث نجد لهذا المبدأ سندا صريحا في الدستور الاخير ، لكن يبقى مفهوم العدالة الجبائية نسبيا طالما أن العدالة ذاتها قيمة نسبية ومن ثمة، نجد على الرغم من أن الدستور ينص على هذا المبدإ، فإن الواقع يعكس خلاف ذلك، ونرجئ الحديث عن هذه التي سترد معنا في المحور الثاني عند الحديث عن إكراهات الحكامة الجبائية ، و ما يجب التنبيه إليه هو أن العدالة الضريبية لها مؤشرات وضوابط منها:
* أحقية الملزم في مراقبة وتصحيح إقراراته؛
* اللجوء إلى الطعون ضد قرارات الإدارة، كما يجب تبني أحكام خالية من التعقيد و الغموض من خلال تشخيص السعر و الوعاء، و سهولة التحصيل ووضوحه دون إغفال طبعا إثبات و استقرار النظام الضريبي، أي لا يكون الملزم عرضة للتغيير المستمر.
إن العدالة من هذا المنظور هي عقد اجتماعي بين الإدارة و الملزم، لأن الضرائب يعاد توزيعها و برمجتها لكي تصبح كمساعدات مختلفة تهم الجوانب المختلفة من حياة المواطنين. و بالتالي من الضرائب الحكومة تستثمر قسطا للخدمات الاجتماعية(الصحة و التعليم والامن وغيرها من الاشياء الضرورية لعيش المواطن )
وبالتالي يجب أن نستحضر العدالة الضريبية من تناسبية أداء نصيب الضريبة حسب المقدرة،
من جهة أخرى يمكن الحديث عن الحكامة الضريبية من خلال الاليات التالية:
• ضرورة سلوك الدعوى التمهيدية أو الادارية كشرط لازم وأساسي لقبول ومباشرة الدعوى أمام القضاء ، فلاتقبل الدعاوى الضريبية التي ترفع رأسا إلى القضاء ما لم ينص القانون صراحة على خلاف ذلك( من الاستتناءات التي يمكن قبول الدعوى الضريبية ولو لم تعرض على اللجان الضريبية مناقشة مشروعية فرض الضريبة من الاساس مثلا
• الصلاحيات المخولة للقاضي الجبائي ، حيث يتوفر على سلطات واسعة مقارنة مع نظيره المدني أو الجنائي ، خاصة في مجال إدارة الاثبات ، فله أ ن يحمل الطرف الذي يرى هو وحسب ما تمليه عليه سلطته التقديرية عبء الاثبات ،بل صلاحيات الحلول محل الادارة الضريبية لتعديل مبلغ الضريبة أو إلغائها ، ولعل في ذلك نوع من خلق التوازن لحماية الملزم من شطط الادارة الضريبية التي تتوفر على جملة من الامتيازات في مواجهة الخاضع للضريبة ،تماما كما يظهر إرادة المشرع الضريبي في بسط مبادئ الحكامة في هذا المجال الحيوي .
• المسطرة التواجهية : من المساطر الهامة في النزاع الضريبي نجد المسطرة التواجهية، والتي بموجبها يتواجه طرفي النزاع مع بعضهم لمقارعة الحجج بالحجج، رغبة في بناء القناعة الشخصية للقاضي ،بل إن هذه المسطرة معتمدة حتى في المرحلة ما قبل القضائية- المرحلة الادارية- وغالبا ماينتج عنها فض النزاع .

المحور الثاني : إكراهات الحكامة الجيدة في المجال الضريبي:
تتعدد الاكراهات التي تعترض تطبيق أسس الحكامة كمؤسسة دستورية جملم من العوارض ، يمكن تصنيفها إلى صنفيين إثنينين :

أولا : الاكراهات القانونية .
عند الحديث عنى العوارض أو الاكراهات القانونية التي تحول دون تطبيق أسس الحكامة الجيدة في مجال الضرائب، لابد أن نستحضر ما يلي:
• طبيعة النصوص الضريبية : بالرجوع إلى القانون الضريبي ، نجده قد كان عبارة عن نصوص قانونية متناثرة هنا وهناك ،بشكل يعجز المهتم بالشأن القانوني الاحاطة بمقتضياته ،فكيف يمكن أن يستوعبه المخاطبين به من الملزمين مع اختلاف مستوياتهم الثقافية وقدراتهم العلمية ، وقد تدارك المشرع الضريبي هذه الهفوة ، حيث جمع هذه النصوص في المدونة العامة للضرائب ومدونة تحصيل الديون العمومية ، ونحسبها من حسناته –في اعتقادنا الشخصي- على الاقل لتفادي ذلك الارتجال والتخبط الذي لا يليق بمجال حيوي كالضرائب .
• حركية النصوص القانونية: إن المهتم بالشأن القانوني خاصة في شقه الضريبي سوف يصيبه الذهول من السرعة الفائقة التي تتغير بها النصوص القانونية في المجال الضريبي وما ينتج عن ذلك من تجاوز المخاطبين بها من جهة وضياع حقوقهم من جهة أخرى.
• غموض بعض النصوص القانونية : ما سبق قوله في الملاحظات أعلاه ،يحافظ على صحته وقوة صدقه في هذا الباب ،فالمتصفح للقانون الضريبي يجده سهلا ممتنعا بشكل يعيق التواصل الذهني مع المخاطبين به ، ومن باب التحصيل الحاصل يجدوا أنفسهم عرضة للداعائر والغرامات المالية نتيجة عدم الامتثال لقواعد هذا القانون .

ونظرا لأهمية الضرائب كمصدر حيوي للخزينة العامة للدولة من جهة ولارتباطه بحقوق الملزمين بها المالية على وجه التحديد،فإن الضرورة ملحة لمراجعة نقط الخلل من الناحية القانونية ،والانكباب تمحيص كل مقتضياته التي قد تضع الملزم موضع الضحية على أنه إلى جانب هذه الاكراهات نجد أخرى لكن على المستوى الواقعي.

ثانيا : إكراهات الحكامة الضريبية على المسوى الواقعي .
يقول أندري باريلاري: ” لا يوجد شخص يحب الضريبة ، لكن لا يوجد شخص يمكنه تصور ممارسة الدولة لوظائفها دون أموال ” وهذه المسألة طبيعية نظرا لطبيعة الضريبة نفسها ، باعتبارها اقتطاعا اجباريا من طرف الدولة يستهدف ثروات الملزم الشخصية، لكن في نفس السياق وبمناسبة الفرض الضريبي والتحصيل تقع تلك النزعات التي تنم عن إكراهات واقعية ،هذه الاكراهات تتجلى بعض أسبابها في اعتقادي الشخصي في سوء التواصل بين طرفي العلاقة الضريبية من الجانبين وكذا في بعض الخروقات والتجاوزات يمكن رصدها على الشكل التالي :
* غياب عقلنة التدبير الضريبي: في العديد من الندوات العلمية والمناظرات يتم الحديث عن العدالة الضريبية فمثلا المناظرة الوطنية حول الجبايات التي نظمت بالصخيرات 2013 وعقدت بعدها عدة مناظرات التي تحث في توصياتها على العدالة الضريبية، و حتى كتابة السطور لا توجد عدالة ضريبية بالمفهوم الصحيح للكلمة ، فإلى ما يعزى هذا التأخر في تفعيل المبادئ الأساسية للعدالة الضريبية ؟
في تصوري الخاص لابد من ربط العدالة الضريبية بالحكامة الجبائية و التي تؤطرها مؤشرات ومعايير سأركز على البعض منها:
المشروعية الجبائية: بمعنى عام يقصد بالمشروعية علاقة التطابق مع القانون، أما المشروعية الجبائية فتعني أن فعل التضريب يجب أن يكون مشروعا ، أي كل ما يتناسب ويوافق القانون، ومن ثمة تنضبط مع القاعدة القانونية. و بمعنى أكثر دقة ، المشروعية الضريبية التي تخضع لها الإدارة لا تقتصر على احترام أسس القانون بل تنطبق على مجمل القواعد التي تلجأ إليها الإدارة ، سواء على مستوى عملية التبليغ التي تؤطرها المادة 219 من المدونة العامة للضرائب، و التي تطرح معها عدة إشكاليات للأسف لا يمكن أن نعتبرها ترسخ عدالة ضريبية. ناهيك أن مساطر تصحيح أسس الضريبة التي يجهلها الملزم، ومن ثمة جهل قواعد التضريب يضرب في عمق العدالة الضريبية.

المشاركة الجبائية : هذا المبدأ لا يستدعي فقط الفعل الايجابي من قبل المواطن، بل مشاركته، سواء على مستوى تصور و بناء وتنفيذ السياسة الجبائية، و من ثمة لا تسمح للدولة باحتكار عملية التضريب. على هذا الأساس فالمشاركة الجبائية يمكن أجرأتها من خلال اعتماد مقاربة تشاركية (أي إشراك كل الفاعلين والهيئات)، و إذا ربطنا هذا المبدأ بالعدالة الضريبية ، فهذا يستدعي منا مساهمة الفاعلين في هندسة و تخطيط وبرمجة وتتبع كل العمليات الخاصة بالعمل الجبائي.
وحتى يتسنى اعتبار المقاربة التشاركية حاضرة لتحقيق العدالة الضريبية، فلابد من تجاوز المشكل المؤسساتي وصولا إلى عملية تنزيل فعلي للمبدأ بدءا ممثل الشعب ، كما أن الإقرار الضريبي هو تجسيد للفكر التشاركي، فهل المواطن له ثقافة في المجال الجبائي؟
و دون إغفال طبعا مشاركة الإدارة الضريبية من خلال المراقبة ثم المنازعات خاصة الإدارية منها وفق ما تنص عليه المادة 235 من المدونة العامة للضرائب، و التي نستحضر من خلالها المرحلة الحوارية ، زد على ذلك المسطرة القضائية حيث يشرك القاضي أجهزة المحكمة وصولا إلى الحقيقة الجبائية.
ورغم كل ما سجلته من استحضار لمبدأ المشاركة الجبائية في محطات عدة في الضريبة إلا أن هناك محدودية لهذا المبدأ يمكن تسجيلها في مرحلة المحاسبة و الضمانات الخاصة بالملزم.
الشفافية الجبائية : الشفافية هي تلك الآلية التي تكشف وتعلن من خلالها الدولة أنشطتها، لكن عندما نتحدث عن الشفافية الجبائية، فالأمر يتعلق بالطريقة التي يمكن من خلالها عرض الأنشطة والقوانين الضريبية على المكلفين ومن ثمة يتمكن الملزم من معرفة مقدار الضريبة المفروضة.
أيضا الشفافية الجبائية تمنح إمكانية الاطلاع على الوثائق الإدارية والمالية ذات الصلة بالحقل الضريبي.
وارتباط الشفافية بمبدأ المشاركة الجبائية نكون أمام شفافية المساطر والإجراءات الجبائية سواء تعلق الأمر بالتصفية أو التحصيل الجبائي. لكن السؤال الذي يمكن طرحه هنا: ما الهدف من الشفافية الجبائية؟
أولى هذه الأهداف تطبيق العدالة الجبائية، والمساواة و أيضا فرض مبدأ المساءلة بالنسبة للملزم الضريبي و الإدارة.
و إذا ما حاولنا مقاربة مبدأ الشفافية الجبائية على مستوى ما ينص عليه الدستور نجد أن الفصل 154 يؤكد بأن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة و الشفافية والمحاسبة و المسؤولية. أما الفصل 166 فتطرق لدور مجلس المنافسة باعتباره مؤسسة مستقلة لضمان الشفافية. في حين الفصل 167 فنص على دور الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية في تلقي المعلومة و نشرها.

وضمن مواد المدونة العامة للضرائب نجد المادة 214 التي تؤكد على حق الإدارة في الحصول على الوثائق و السجلات، بينما القانون 47.06 خول المشرع بالنسبة لمسطرة التصحيح حق تصحيح أوجه النقصان،
ومن جانب آخر مدونة التحصيل الدين العمومي 97.15 خاصة في التبليغ الضريبي أكد المشرع ضرورة إخبار الخاضع بتاريخ الشروع في تحصيل الجداول و الرسوم بكل الوسائل.

عموما الشفافية بشكل عام والشفافية الجبائية بشكل خاص تفرضان تبادل المعلومة بين الملزم و الإدارة ثم الحق في الحصول على المعلومة، وهذا ما نصت عليها توصيات المناظرة الوطنية 2013، ثم تمت المصادقة على قانون الحق في الحصول على المعلومة 31.13، لكن الإشكال الذي يطرح هو أن القانون الجنائي لم يحدد بشكل واضح ما يهدد أي موظف يقدم معلومة.
وما أعتقده في هذا الصدد هو أن الحصول على المعلومات أولى الخطوات لإقامة علاقة بين الملزم و الإدارة. بل إنها لبنة الثقة المنشودة، ومن ثمة تحقق العدالة الضريبية.
من هذا المنظور، نحن في حاجة لتواصل مؤسساتي يفترض استحضار وظيفة الإعلام في نشر المعلومة و تعميمها، واعتماد ذوي الكفاءات. نحتاج لمقاربة تشاركية بين جميع الفاعلين، ومن خلال اعتماد مساطر قانونية مبسطة وواضحة لتحقيق المشروعية الجبائية.

غياب التواصل بين أطراف العلاقة الضريبية :لقد شكلت الضرائب –كما سبقت الاشارة إّليه – منظومة لها حساسية خاصة كواقعة سياسية ،تعكس جدلية النزاع بين طرفين غير متكافئين تفرض من برج عال الضريبة على الملزم ، هذا الاخير لايرى في هذه الضريبة سوى التسلط والجبر الشئ الذي ينقطع معه حبل التواصل وتغيب الحكامة الضريبة بالمعنى الذي يتصوره المشرع الضريبي في الفلسفة العامة للتشريع.
*بعض السلوكات المنحرفة : بعض موظفي الادارة الضريبية تغلب لديهم المصلحة الخاصة عن المصلحة العامة ،بشكل يعفى من تتحقق فيه شروط الواقعة الضريبية أو يؤدي مبلغا زهيدا وصوريا بسبب تلقي المفتش الضريبي رشاوي سواء كانت نقدية أو مصالح متبادلة، في الوقت نفسه تفرض ضرائب خيالية على ملزمين بشكل يضرب عرض الحائط العدالة الجبائة ويخدش أسس الحكامة الجيدة ،فتنعدم الثقة ويحل بدلها الشك والاتهام المتبادل .

إن هذا الانحراف لا ينحصر على بعض موظفي الادارة الضريبية ، لكن يلجأ الملزم نفسو وفي غالب الاحيات إلى أساليب الغش للتهرب من أداء الضرائب أو التقليل من قيمتها .
وخلاصة القول إن الهدف الاسمى من سن الضرائب هو بناء الدولة وتنميتها حتى تؤمن الحاجيات الضرورية للمواطنين ،غير أن طرفي العلاقة الضريبية في نزاع متواصل ومرد ذلك إلى عوامل مركبة نابعة من وجود بعض هفوات التشريع الضريبيّ أو ناتجة عن انعدام التواصل بين الطرفين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق