مستشفى مرضى السل بابن أحمد.. أطلال وخراب تسائل المسؤولين

محمد منفلوطي_هـــبة بريس

على بعد مايقارب 50 كيلومتر شرق مدينة سطات، يقودك المسير نحو عاصمة امزاب، مدينة ابن احمد مجمع الأولياء والعلماء ومقاومي الاستعمار، بطريق كثيرة المنعرجات والحفر والمنحدرات، يحملك السفر إلى ملامسة نسيم عليل نابع من بين ثنايا منطقة غنية بالعلم والعلماء ورموز النضال السياسي، لتجد أمامك علامة تشوير ايذانا بدخولك مدينة ابن احمد.

هذه المدينة التي هجرتها “كاميرات شوفوني” منذ أمد بعيد دون أن يتطرق أي أحد لهموم ومشاكل ومعاناة ساكنتها التي تعاني الويلات، شبابها يعيشون حالة من اليأس والظلم والبطالة بسبب غياب فرص الشغل وتحول المدينة إلى ما يشبه سجنا كبيرا، وكأن المدينة الضاربة جذورها في التاريخ تعيش خارج ايقاعات الزمن.

إنها مدينة التوت، مدرسة النضال والادباء والكتاب والسياسيين الذين شربوا من مياهها النقية واستنشقوا هواءها العليل وترعرعوا بتربتها الخصبة التي انتجت جيلا ذهبيا منهم من تقلد المناصب ومنهم من ساهم في تدبير شؤون البلاد والعباد، ومنهم من اختار الدفاع المستميت عن القضايا الوطنية التي تشغل بال مواطنيها من الشرفاء.

إنها مدينة ابن احمد الهادئة المسالمة برجالاتها الكرماء الشرفاء، شبابها كلهم طموح وأمل في معانقة يوم جديد، يخرجهم من روتينهم اليومي.

مدينة سكانها بسطاء يعانون العزلة والتهميش المتمثلة في ضعف الشبكة الطرقية المعبدة، وضعف أبسط الخدمات من تطبيب ونقل ومرافق ترفيه ومصانع ومعامل تقي شبابها من شبح العطالة وخطر الانحرافات وتعاطي المخدرات، مما حول حياتهم حسب تصريحات البعض منهم إلى جحيم لا يطاق ليبقى أملهم في التطلع لغد أفضل، من بين الأهداف المنشودة.

وأنت تجول وتصول بشارعها الرئيسي، ينثابك شعور عجيب غريب، لأشجار باسقة عايشت جيلا منهم نن قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أشجار تلقي بظلالها على بناية شيدها المستعمر الفرنسي وخصصها لمعالجة امراض الصدر والربو والسل، اختياره هنا لم يأت اعتباطا بقدر ماهو اختيار استراتيجي، لماتزخر به المنطقة من جو سليم نقي يفي بالغرض، كان المرضى يدخلون على النعوش ويغادرونه مشيا على الاقدام.

إنها بناية مستشفى داء السل التي شيدها الفرنسيون وسط غابة من أشجار خضراء لمواجهة الأمراض التنفسية منذ سنة 1941، قبل أن يتدخل مسؤولو وزارة الصحة لإغلاقه سنة 2004، محولين بنايته هاته إلى ما يشبه أطلالا، فيما أشجاره النادرة باتت تحت رحمة أعداء البيئة يتربصون بثرواتها الغابوية لإعدامها وابادتها امام أعين المسؤولين.

هذا المرفق الصحي الذي كان يلجه المرضى من كل بقاع المغرب وحتى من خارجه، محمولين على الأكتاف ليغادرونه مُعافين من داء السل بسبب العناية الطبية التي كانت آنذاك بالاضافة إلى الهواء النقي والصحي، المعروف بـ”ميكروكليما”، بفضل الأشجار المحيطة به، كأشجار الصنوبر التي تساعد على معالجة أمراض الصدر والتنفس، لكونها تفرز عناصر تساهم في امتصاص التلوث لتنقية الهواء وحمايته من الجراثيم.

هذا المرفق الصحي الذي طالته أيادي الاغلاق والاقبار، شيّده المستعمر الفرنسي على مساحة تبلغ 3483 مترا مربعا، مكون من 4 طوابق بما فيها الطابق تحت أرضي، وطاقة استيعابية تقارب 80 سريرا، كان يستقبل المرضى من مختلف مناطق المغرب وخارجه، وتدوم مدة الاستشفاء من أسبوعين إلى ثلاثة أشهر، تسهر عليه أطر طبية تتجاوز 24 عنصرا موزعة بين أطباء أخصائيين وممرضين وأطر إدارية وتقنية ومساعدين.

ليبقى السؤال مطروحا وبقوة على طاولة وزير الصحة الجديد، مفاده: ماهو مآل المرضى من حاملي هذا الفيروس الفتاك، الذين باتوا يتقاسمون المجالس مع المواطنين بالمقاهي وفي الحافلات والشارع العام، معرضين الجميع لشبح العدوى، هذا في الوقت الذي كان فيه لزاما على المرء المصاب الالتزام وعدم مفارقة سرير المرض خوفا من تفشي العدوى، وعدم مغادرته لأسوار هذا المستشفى حتى يمتثل للشفاء..نتمنى صادقين أن تكون هذه الالتفاتة اشارة قوية لتسليط الضوء على هذا المرفق الصحي الحيوي لإعادة الروح إليه بدل إقباره وتحويله إلى لقمة سائغة في فم تجار الصناديق الاسمنتية، وسبيلا لبثر ثروته الطبيعية من أشجار الصنوبر الخالدة خدمة لأعداء البيئة.

ما رأيك؟
المجموع 3 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

elections2021

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ليس من حقكم ان تتكلموا عن الصحة لأنكم استعملتم العشوب و منكم لم يجب العشوب واستعمل الصبر والدعاء . الصحة لهم والثروة لهم والتعليم لهم والسكن لهم والعدالة بأيديهم والأمن كدلك . هذا ليس مستشفى انه سجن في المغرب .

  2. نفس المشكل يعانيه مستشفى بن صمبم بناحية مدينة أزرو بإقليم إفران حيث أن هذه المعلمة كانت ملجأ لمرضى السل والحساسية اىتنفسية،وهو متواجد وسط غابات اىأطلس المتوسط بنسيمها العليل.توقف هذا المستشفى من سنوات وتم إهماله دون أن تعطي وزارة الصحة أي توضيحات في شانه.به خمس طوابق وكان له صيت وطني ودولي لكنه أقبر مثل ما أقبر مستشفى ابن احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق