كم من مكتبة تحولت إلى ” تلفنة ” !

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

عبد اللطيف مجدوب

الصورة تجتاح حياتنا

أصبح الهاتف الذكي اليوم بمثابة بطاقة هوية تقنية ID.Card لكل شخص ، حتى وإن كان ما زال في طور الرضاعة ؛ يغنو ؛ ويترنح ؛ يتهادى ؛ ويسلو بصوره الناطقة ؛ وهي تتوالى أمام عينيه الغضتين ، لا أحد يكترث لمغبة وتداعيات إدمانه مشاهدة أشرطة الفيديو على جهازيه العصبي والبصري ..
معظم أوقاتنا إن لم تكن كلها أصبحت ملكا للهاتف ، في غدونا ورواحنا وذهابنا وتوقفنا وتسوقنا وسياقتنا … مجتمع مدمن بالكاد على التنصت ومشاهدة عالمه الافتراضي الأزرق . ولحدة الإدمان ؛ بهذه الدرجة ؛ على صرف كل أوقاتنا في مداعبة أناملنا للشاشات الصغيرة ، تحولت أكثرية المغاربة إلى نبغاء في تتبع وتصيد الأخبار أو تلقي رسائل وملفات سمعية بصرية ، ومن ثم “اختصوا” في إصدار الفتاوى في القضايا المستعصية والعالقة ؛ لا أحد يستطيع مجاراة حنكتهم في الكشف عن معميات الأمور ودقائقها ؛ حتى أضحى من العسير التمييز بين أميهم ومتعلمهم ، طالما كانت الصورة أو الشريط القصير قاسما مشتركا بينهما ؛ يغني كلا منهما عن القراءة الأبجدية للنصوص التي هي بدورها أصيبت بالضمور .

 

قبل عشر سنوات ونيف كانت معظم الحواضر الكبرى تزدان شوارعها بمكتبات ؛ اتخذناها ديدنا لنا في إشباع نهمنا وفضولنا المعرفي ؛ نقتني منها كل جديد في هذا الجنس الأدبي أو ذاك ، كانت تبدو لنا رفوفها أشبه بهامات وصروح شامخة لأدمغة أبلى أصحابها البلاء الحسن والمضني في تقريب ألوان المعارف إلى الجمهور المتعطش للمطالعة والبحث . بيد أن هذه الرفوف التي كانت تأوي هذه الصروح المعرفية تحولت فجأة إلى صفوف حمالة لأشكال وألوان متنوعة من الموبايل وأكسسوارته/ملحقاته ، فضلا عن واجهات زجاجية ازدانت بآخرتقليعة في عالم البورطابل ، تفوق تكلفة النسخة الواحدة منها تكلفة مكتبة متوسطة .
فقد صرح عديدهم من أرباب المكتبات بأن الصورة داهمتهم في عقر ديارهم ، لذلك أسلموا لها الزمام فتحول معظمهم إلى أصحاب بقالة هواتف بدلا من الوراقين والنساخين وأصحاب مكتبات .
وعموما أصبح الكتاب اليوم ؛ بين أفراد المجتمع المغربي الحديث ؛ أيقونة قديمة أشبه بمنحوتة تشهد على زمن غابر قبل انفجار زمن الرقمنة واجتياح الصورة لواقعنا اليومي الذي غدا ؛ في ظله الكاتب والأديب والفيلسوف ؛ ينظر إلى أعمالهم بأنها رقمية قابلة لإخضاعها لمجموعة من العمليات التقنية كالبحث الكلماتي WORD SEARCH وعقد المقارنة والاستنتاج فضلا عن الترجمة ، وحتى الأعماال الورقية أصبح من النادر عرضها في الأسواق بعد انتشار إمكانية وسهولة قرصنتها ، ومن ثم القذف بها في المواقع الالكترونية بدون مقابل في صورة ملفات PDF ، وهذه الآفة /القرصنة الالكترونية ELECTRONIC HACKING دفعت بالعديد من الكتاب إلى الإحجام عن نشر أعمالهم والترويج لها عبر وسائل التواصل الالكترونية حتى لا تكون عرضة للقرصنة أو الاستنساخ .

ما رأيك؟
المجموع 7 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في أراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

الفرد والمجتمع ….واشكالية الاجماع على قيم محاربة الفساد

زينبة بن حمو أصبح انهيار منظومة القيم آفة هذا المجتمع، و اصبح يؤرق كل الدارسين و المهتمين …