مدارس خاصة أم مدارس حربية تجارية؟

إنه لأمر محزن أن نرى انتشار المدارس الخاصة في بلادنا علماً أن التعليم قد أصبح إلزامياً. وإذا صدرت عن الدولة إلزامية التمدرس، فهذا يعني أنها ملزمة بتوفير كل الوسائل اللازمة لتنفيذ و تحقيق هذا الأمر الهام حسب معايير التعليم في الدول الديمقراطية. وإذا كانت توجد مدارس خاصة في فرنسا مثلا، فإن الدولة تظل الواصي و المسؤول الأول عن هذه المدارس، كما أن المعلمين و الاساتذة في هذه المدارس يحصلون من طرف الدولة طيلة السنة وحتى في العطل الصيفية على نفس الرواتب التي يحصل عليها نظراءهم في المدارس العمومية ويتمتعون كذلك بجميع الحقوق التي يتمتع بها زملاؤهم العاملون في التعليم العمومي مثل التقاعد و تغطية التأمين الصحي والتعويضات… وأسعار هذه المدارس حوالي 400 يورو في السنة ويتم اختيارها من طرف الآباء لأسباب دينية حيث أن معظمها مدارس كاثوليكية.
أما في المغرب نعلم أن إدارات المدارس الخاصة هي التي تدفع أجور المعلمين كل شهر علما أن بعضها لا تدفع الرواتب خلال عطلة الصيف. ولأن هذه المدارس عبارة عن مشاريع تجارية ربحية فمن الواضح أنها تشغل مدرسين بأقل التكاليف ومنهم عدد غير مؤهل مهنياً من المعلمين و المعلمات. وهكذا تتاجر المدارس الخاصة بالتلاميذ و معلميهم سواءً بسواء.
وبالنسبة لاختيار أولياء الأمور للمدرسة الخاصة بالمغرب فهو ليس لأسباب عقائدية بل لضمان مستقبل ذريتهم و تجنيبهم مشاكل التعليم الحكومي. يبقى هذا “المستقبل المضمون” هو المنتج التجاري الذي تسوق له المدارس و المعاهد الخاصة والتي هو في الواقع مع الأسف “وَهْمٌ تجاري مضمون” أو كما يقول المغاربة “يْبيعو ليكْ الحوتْ فْلْبْحْرْ”. وبالتالي لضمان جودة هذا المنتج التجاري تتبنى المدارس الخاصة نظامًا حربيا عسكريا تنافسيًا لإنتاج جودة فائقة لمواطن الغد. لكن نعلم أن النظام العسكري ينتج محاربين للقتال وكسب ميادين المعارك. بينما المدارس الخاصة تحاول أيضًا إنتاج مواطنين محاربين قادرين على التنافس القتالي في ميدان الشغل “لضمان مستقبلهم”.
لكن على المستوى النفسي تنتج هذه المدارس الخاصة أشخاصاً أشبه بآلات حربية تقاتل بأنانية مدمرة لكسب سوق العمل وتحقيق مداخل مالية عالية دون أي رحمة أو محبة للمجتمع و ولاء للوطن.

هل هذا هو الغاية من التعليم ؟ هل هذا هو الهدف من المدرسة؟

حسب تحليلي، تقوم المدارس الخاصة في المغرب بتدمير النسيج الاجتماعي وتوسيع الفوارق الطبقية الاجتماعية ودفن الأخلاق وتفكيك اتحاد حب و خدمة الوطن وسحق محبة المعرفة و إعدام الفكر السليم و هي على المستوى الاجتماعي تصنع لنا مستقبلاً أشد ظلامية من اللحظة الحالية.
وسبب تدمير التعليم في المغرب ليس مسألة اختيار لغات التدريس فقط، بل هي ثنائية استقالة المسؤولين عن مسؤولياتهم في خدمة التعليم والتسويق التجاري للتعليم لأهل الاموال من أجل تحقيق مكاسب طائلة. إن اختيار لغة التدريس هو مجرد أداة للتلاعب السياسي من أجل تحويل الأنظار وإخفاء المشكلة الاجتماعية الحقيقية الناشئة عن هذه الثنائية الشيطانية التي تدمر المنظومة التعليمية الوطنية.
نحن اليوم في حاجة إلى مواطنين صالحين يتمتعون بمعرفة محترمة وهدفهم الوحيد هو النهوض بالمجتمع وخدمة البلاد سواء اكتسبوا هذه المهارات باللغة العربية أو الأمازيغية أو حتى الصينية أو العبرية أو الروسية أو باللغة الدارجة إذا لزم الأمر ذلك.
أقترح خيارين لحل الأزمة الحالية للتعليم، إما حظر خصخصة التعليم، أو على الدولة أن تأخذ زمام المسؤولية و تضع تحت إشرافها الفعلي المدارس الخاصة وتُوظف الأطر المناسبة و الأساتذة وتسدد لهم رواتبهم وتضمن لهم حقوقهم المهنية مثل زملائهم في المدارس العمومية.
ذكاء المجتمع يكمن داخل دماغ المدرسة وإذا رأيت مجتمعا غبيا فاعلم أن دماغ المعلم قد أصيب بجلطة.
فلا لتسويق التعليم ولا للمتاجرة بمستقبل أبنائنا!

ما رأيك؟
المجموع 17 آراء
1

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. اذا لم تتحرك الحكومة بالضرب على ايدى اصحاب الشكارة المفسدين والمتلاعبين بمصالح الوطن والمواطنين فهي اي الحكومة متواطئة بشكل او اخر وراضية على هذا العبث فعليها و على البرلمان سن قوانين تنظيمية فيما يخص تسقيف الاثمنة والتامين لا تامين !!!

  2. للاسف الدولة اصبحت غائبة في أغلب المجالات وتركت المواطنين ياكل بعضهم بعضا.
    ففي ميدان التعليم اذا عجزت عن التحكم في ناهبي اولياء التلاميذ من مدارس خصوصية و مدارس الدعم عليها اعفاء اولياء التلاميذ من مقابل الضريبة على الدخل …

  3. (لا حياة لمن تنادي) إذا كانت الحكومة هي السبب في كل هذه المأساة فكيف لنا أن نطالبهم بمثل هذه الأمور التى تعتبر ركائز أساسية . وهي التعليم والقضاء والصحة فكل هاته القطاعات تعم فيها الفوضى والفساد والمحسوبية والزبونية والمواطن المغربي أصبح مهمش وسط دوامة خطيرة لا نعلم له بداية ولا نهاية همه نشر التخلف والفوضى والإقصاء والتهميش والفقر
    نقول حسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم لاعيش إلا عيش الأخرة. وعند الله تختصم الخصوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
الآن يُمكنكم تحميل تطبيق موقع "هبة بريس" المزيد +
إغلاق

تحرص ar.hibapress.com على حماية خصوصية المعلومات الشخصية التي تتلقاها منكم عند استخدام مختلف خدماتها . cookies

Cookie settings

Below you can choose which kind of cookies you allow on this website. Click on the "Save cookie settings" button to apply your choice.

FunctionalOur website uses functional cookies. These cookies are necessary to let our website work.

AnalyticalOur website uses analytical cookies to make it possible to analyze our website and optimize for the purpose of a.o. the usability.

Social mediaOur website places social media cookies to show you 3rd party content like YouTube and FaceBook. These cookies may track your personal data.

AdvertisingOur website places advertising cookies to show you 3rd party advertisements based on your interests. These cookies may track your personal data.

OtherOur website places 3rd party cookies from other 3rd party services which aren't Analytical, Social media or Advertising.