مناظرة منتدى فاس للموسيقى العالمية العريقة تتدارس موضوع تلاقي الثقافات

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

ربيع بلهواري_ هبة بريس

بالموازاة مع فعاليات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، بادر منتدى فاس إلى تعبئة نخبة من مشاهير ورجالات العلوم، الفلسفة والفنون. فهذه السنة، وعلى مدى يومي 15 و16 يونيو، تطرق هذا الملتقى الحواري للتفكير وتبادل الأفكار لموضوع “تلاقي الثقافات”. موضوع يحظى باهتمام المثقفين المغاربة والأجانب الذين دُعوا كلهم لإبداء ملاحظاتهم حوله، واقتراح الآليات والإستراتيجيات الواجب تطويرها بغية التشجيع والتحفيز على الحوار وإغناء التمازج والتلاقح الثقافي والديني.

شهد المنتدى تنظيم أربع موائد مستديرة حول تاريخ الحضارات، تفاعل الشعوب والمبادلات الفنية والفلسفية بمشاركة العديد من شخصيات العالم الثقافي. مفكرون، فنانون، كتاب، مؤخرون وفاعلون جمعويون، التأموا جميعهم لتقاسم تجاربهم بمختلف الجهات والفترات بالعالم أملا منهم في إثراء التفكير حول حتمية التعدد الثقافي من أجل عالم آمن ومتسامح.

عرف هذا المنتدى مشاركة كل من السيدات مفتاحة عمور، هند بن عباس الطعارجي، فوزية الشرفي، أمينة المغاري، حليمة حمدان، والسادة أحمد غيث، جيرار كوركدجيان، فرانسوا مارتيني، جورج ميشال، عبد الرحمان طنكول، فرانسوا كزافيي تيلييت، فودي سيلا، خالد زكري. كما تميز أيضا بحضور شخصيات وازنة ومشهورة أمثال السادة أندري أزولاي، الطاهر بن جلون وجامع بايدة…
وقد أجمع معظم المتدخلين على ضرورة بسط حوار جاد، حوار بعيد عن التعصب، حوار ما بين الثقافات مبني على التعاون المجدي والعميق. ولدعم هذا التفكير، تمحور المنتدى حول ثلاث محاور رئيسية وهي “المعرفة قبل إصدار الأحكام الجاهزة والتفكير قبل إبداء الرأي”، “الثوابت الأساسية للحوار ما بين الثقافات” إلى جانب “طرق العيش بالمدن التقليدية والقيم الروحية للاحترام الضمنية”.

وقد توسع إنطاق النقاش ليشمل مواضيع أخرى خارج المحاور التي حددت له من قبل. فخلال هذا الحدث، انكب المتدخلون على التطرق لمختلف الجوانب الكفيلة بخلق ثقافة حرة ومدعمة سواء من طرف الفاعلين أو من طرف الأفراد وفاعلي المجتمع المدني. آنذاك، طرحت العديد من المواضيع بدءا من “التعصب المغربي للإنجليز” لموغادور القرن الثامن عشر وانتهاء ب”بوتقة التسامح ما بين الديانات” الذي ساهم في تشكيل الدير المسيحي لتومليلين خلال فترة المقاومة من أجل الاستقلال. كما نهض الفاعل الجمعوي أحمد غيث للدفاع عن الشباب، والدعوة لخلق ثقافة تتأسس من طرف الشباب ومن أجلهم بغية محاربة “العشق المرضي للموت” “وزرع الأمل في الحياة لفائدة شريحة عريضة من المتخلى عنهم من المواطنين المغاربة”. وهي النقطة التي لقيت تعاطفا واستحسانا من لدن المفكر عبد الرحمان طنكول الذي شجع على نقل التراث الثقافي ولاسيما الرقمي، ليتحول بذلك إلى قوة ضاربة «في إطار السعي لإثراء العلاقات ما بين المجتمعات، وتستعمل كأداة للإبداع الفني والثقافي”. مشاركون آخرون، على غرار المتخصص في الألوان الموسيقية العالمية جيرار كوركدجيان، تطرقوا لبعض الجوانب الإيجابية لنقل الموسيقى، الفن أو حتى الحكايات والأمثال المصورة كما حكتها حليمة حمدان بأسلوبها الأخاذ. وحول موضوع أكاديمي أكثر، تطرق خالد زكري لموضوعي الإتيمولوجيا والإبستيمولوجيا كأداتين ضروريتين لفهم واستيعاب الثقافات المذكورة، تاريخها ومراحل تطورها على مر الحقب والعصور. وقد لقيت وجهة النظر تلك دعما من طرف الباحثة حليمة عمور التي دافعت عن الهوية المتعددة البربرية، العربية، الفرنكوفونية وباقي أوجه ما أصبح يعرف اليوم ب”تامغرابيت”، كنقيض للنظرة الضيقة والأحادية الأبعاد التي ينظر بها لتراثنا الوطني. وفي معرض مداخلته، عبر الرئيس السابق للجمعية الدولية لمناهضة العنصرية والنائب الأوربي السابق، فودي سيلا، الذي يشغل حاليا منصب سفير متنقل ومستشار الرئيس السنغالي ماكي سال، (عبر) عن رغبته في إرجاع تلاقي الثقافات والهويات إلى أصله القاري. كما حيا بحرارة كافة منظمي المنتدى على هذه المبادرة المشتركة والتواقة إلى خلق تلاقح وتمازج ما بين الثقافات في أفق خلق سلام دائم والمساهمة في تنمية قارتنا السمراء “بما أن كل ما نقوم به هو من أجلنا، ولكن إن فعله غيرنا فسيكون حتما ضدنا”.

بدوره، تدخل ادريس خروز، مدير المنتدى، لإبداء رأيه في الموضوع قائلا:”نحن نؤكد على مفهوم الاحتواء هذا، ففي عالم ممزق بالخوف، والتطاحنات والارتياب، الأمر لم يعد يتعلق بضرورة شرعنة أو دسترة التلاقي الثقافي بقدر ما أصبح يتعلق بضرورة استيعابه واكتساب القدرة على ممارسته. وبهذا، سندرك بسهولة على أن أية ثقافة، وبشكل أقوى الثقافة المغربية، هي بالفعل ثقافة قادرة ومؤهلة للالتقاء مع العديد من الثقافات”.

وبهذا، ـ يكون جميع المدعوين قد خلصوا إلى أهمية المعرفة، ولاسيما معرفة التاريخ، إن نحن أردنا استيعاب هذا الموضوع الشائك المتعلق باختلاط وتمازج الثقافات. تلك المعرفة التي ستؤدي بشكل طبيعي فيما بعد إلى بلورة مشاريع للتعاون بمختلف المجالات، على غرار الحفاظ على الموروث الثقافي، تثمين الأمازيغية، مضاعفة عدد دور الشباب، وباقي الإشكاليات التي تم طرحها خلال المنتدى والتي تكون في غالبيتها الرأسمالي اللامادي الفاسي، المغربي والإفريقي.

“تلاقي الثقافي يهم بالدرجة الأولى التشاور الذي يقربنا ويشكل لنا آلية للتكامل ما بين المجتمعات. لا يجب تجاهل الاختلاف ولكن يجب وضعه في خدمة مجتمع متعدد، مجتمع مبني على الوفاق وقبول الآخر. وتلك هي أرضية المنتدى التي تجد صداها في تنوع الألوان الموسيقية التي أطربتنا خلال هذا الأسبوع ببعض الساحات والأماكن التاريخية لمدينة فاس”، كما لخص ذلك ادريس خروز.

تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، جاء مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة ليندرج ضمن سياق التقاليد المعرفية، الفنية والروحية لمدينة فاس. مدينة فاس التي كانت ولازالت مهدا للتبادل والحوار البناء. وباحتضانهما لمؤتمر من هذا الحجم، تكون المدينة والمنتدى قد أكدا من جديد مدى التزامهما بخدمة ثقافة السلام، ثقافة التعايش، ثقافة التسامح والإخاء، ونبذ الكراهية والعداء.

ما رأيك؟
المجموع 15 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في فن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

الملك عن الراحل “حسن ميكري” : نسأل الله أن يجزي الراحل خير الجزاء على ما أسداه لوطنه

بعث الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الفنان المرحوم حسن ميكري الذي واف…