أمراض تنخر الأجساد ومغاربة يتسولون العلاج عبر “اللايفات” والإعلام البذيل

هبة بريس _ يسير الإيحيائي _

وأنت تتصفح مواقع التواصل الإجتماعي بمختلف أنواعها يثير إنتباهك الكم الهائل من المواطنين الضعفاء الذين أبتلوا بأمراض خبيثة لا ينفع معها علاح،وحتى إن وجد فهو مكلف للغاية ويتطلب ميزانية وأموالا باهظة ليست بمقدور أزيد من 95% من المرضى المغاربة لتسديد فواتيرها ،مما يجبرهم على رحلة البحث عن موارد وتبرعات تطرق أبواب الأحباب والمقربين كمرحلة أولى ، الجيران والأصدقاء ثانيا ،ثم تنتهي بخرحات خجولة عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الإجتماعي ما دام الأمر يتعلق بمصير إنسان يصارع لأجل البقاء وكله أمل في الشفاء من مرض لا يستثني أحدا مهما كان منصبه وجاهه.

فكيف يكون شعورك أيها الأب والإنسان قبل كل شيئ وأنت ترى بعينيك في أحد المقاطع على الفضاء الأزرق أما ملقاة على ظهرها في بيتها المتواضع وعلامات المرض بادية على محياها، جالس بجانبها طفل صغير لا يتعدى التاسعة من عمره يذرف الدموع بحرقة ويضع كفيه على رأسه بين الفينة والأخرى،ياله من مشهد فظيع، فظيع بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، مشهد لم نألفه إلا في بلدان التوتر والحروب حيث يبكي الصغار أمام الجثت المتناثرة، يدركون أنهم يلقون آخر نظرة على الوالدين أو أحدهما، لكن الذي شاهدته خلال هذا الفيديو مختلف تماما عن السابق، إنها نظرة الإنكسار والإستسلام لطفل أمام أم خارت قواها وهي تخاطبه بصوت يكاد لا يسمع من شدة الألم وتقول ” ما تبكيش أولدي دابا يصوبها الله”، فمن غيره الذي يتصرف في شؤون عباده، سبحانه وتعالى وهو على كل شيئ قدير .

فإذا ما ألقينا نظرة عن الأسباب الموضوعية وراء شلل المنظومة الصحية ببلادنا وتذيلها للمراتب على المستوى الدولي لن نجد سببا مقنعا بإمكانه تبرير الوضعية الكارثية التي وصلت إليها مستشفياتنا، وبالتالي سنقوم بمقارنة يمكن أن يعتبرها البعض ب”المنطقية” وقد يعارض البعض الآخر المقارنة ويصفها “بغير المنطقية” لا بل قد يصفها ب”البعيدة عن الواقع” سيما وأن إسبانيا التي سنعتمدها كنموذج تنتمي لدول الإتحاد الأوروبي وتفصلنا عنها جغرافيا كيلومترات قليلة،أما من ناحية التنمية والإزدهار فنتموقع على بعد سنين ضوئية منها لأسباب عديدة قد نختصرها فيما يلي:

إسبانيا الجارة والتي تربطها علاقات جد متميزة مع المغرب كانت في ثمانيات القرن الماضي نقطة عبور فقط للمهاجرين المغاربة وغيرهم،إذ كانت تتربع في الدرك الأسفل على مؤشر التنمية داخل دول الإتحاد الأوروبي (حاليا)، لكنها إستطاعت أن تفرض وجودها داخل المنظومة القارية وهو ما جعلها تحظى بثقة الأعضاء لتصبح فيما بعد دولة أساسية لها وزنها،فقد يردد ببغاء أسطوانة لم تعد تنطلي على أحد لأننا سئمنا سماعها منذ صغرنا ولا زالت تفرض على مسامعنا إلى اليوم وحجة “الببغاء” في ذلك هو أن الإتحاد الأوروبي ضخ الأموال الطائلة في ميزانية الدولة الإيبيرية أو ما يحلو للبعض بتسميتها “بورقعة” حتى وصلت إلى ما هي عليه من تقدم وإزدهار ، الجزم أن الأمر غير صحيح لأن أولويات العقل الأوروبي بصفة عامة منكبة على الإستثمار البشري ومعالجة العقد النفسية حيث تصب كلها في خندق واحد إسمه الصحة،لن أكون مبالغا إذا ما قلت أن الإنسان في إسبانيا الحديثة العهد بالديمقراطية يمني النفس ولو مرة في حياته أن يكون بين أيدي ملائكة الرحمة وهم(ن) يتسابقون فيما بينهم ليقوموا بالمتعين من أجل إنقاذ هذا أو ذاك بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو عرقه، بغض النظر عن غناه أو فقره، فلا مجال لمحاولة إستعطاف ذوي البذلة البيضاء أو الخضراء بغرض الإهتمام بالمريض ورعايته كما يفرض الواجب،فهؤلاء يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق ذلك إيمانا منهم بأن الحياة مقدسة ولا تحتمل التهاون والإستهتار، إذن هي مسألة إحساس نابعة من تفكير العقول السليمة التي لا علاقة لها بدين ولا ملة.

إسبانيا التي لا تدين بدين الإسلام تعتني بالمسلمين وغيرهم من الملل دون كلل ولا رياء، فهي لا تبتغي جزاءا ولا شكورا من مرضاها ومرتادي مستشفياتها، هذه حقيقة ليس الغرض منها تحجيم الأمور والتبجح بدولة نعتبرها نحن المهاجرون وطنا ثانيا،لكن غيرتنا الكبيرة على وطننا الأم تدفعنا لمثل هذه التساؤلات التي لا نجد منطقا لها ،وطنيتنا الصادقة التي لا نساوم عليها تجعلنا معنيون بالضرورة من سياسة الأحزاب التي تدير الشأن الوطني وعينها على الكعكة ونصيب الأسد من الإستوزار ، فهي صارت عاجزة تماما عن إيجاد حلول لأولائك الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة على أبواب المستشفيات دون أن يقترفوا ذنبا ولا كبيرة، أولائك الذين يصارعون الموت بسبب غلاء الدواء والحصص وما أكثرهم.

فهل أصبح المغاربة عبارة عن أرقام تؤتي أكلها فقط عند كل حملة إنتخابية؟.

ما رأيك؟
المجموع 11 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق