أجيال نرجسية نتيجة لغياب النقد في تربيتنا

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

عبد اللطيف مجدوب

 

‘‘ … لكن ما يتعلق بالنرجسيين أنهم يحاولون من كل أعماقهم خداعك لكنهم في النهاية فقط

              يخدعون أنفسهم ..’’

                                                         

 

غير خاف على القارئ اللبيب أن النرجسية Narissism هو اضطراب نفسي يصيب الشخص خلال طفولته المبكرة ، من أبرز أعراضه ؛ على المديين المتوسط والبعيد ؛ الأنانية وبغض النقد والغرور والسعي في المخاتلة وخداع الآخر .. وتعزى أعراضه المبكرة ؛ كما دلت عليه العديد من الدراسات الإكلينيكية ؛ إلى أنماط التربية الأسرية في الدرجة الأولى ، فالمحيط الاجتماعي ثانيا . وسنحاول في هذه الورقة اقتفاء أبعاد وتداعيات الشخصية النرجسية ؛ في مواقفها وتواصلها ، مع توقف إزاء المدرسة المغربية ، وشخصية المواطن العربي لبحث نصيبها من النرجسية ومجالات تمظهراتها .

 

الأسرة وأنماط تربيتها

 

مرت الأسرة ؛ العربية عموما والمغربية خصوصا ؛ بمراحل احتكرت في بدايتها الأبوسية كل السلطات ، فكانت ؛ وتبعا لها كل القرارات والتوجهات بيد الأب ، لا أحد يجرؤ على مناقشته أو بالأحرى إبداء رأي أو انتقاده ومعارضته ، والذي درجت الثقافة الشعبية على تسميته بمجانبة “الرضى” ومجلبة للسخط الأبوي .. بيد أن هذه “الديكتاتورية الأبوية” سرعان ما انهارت في ظل متغيرات سوسيواقتصادية جد عميقة مكنت المرأة/الأم من بعض حقوقها في “الشراكة” وسلوك خط متساهل مع تربية الأولاد إلى حد ترك الحبل على غاربهم ومنحهم دفقة زائدة من الدلال ، وهو ما ساهمت به ؛ وبدرجة عالية ؛ مواقع التواصل الاجتماعي إلى حد إلغاء النقد “والمحاسبة” من طرف الأبوين تجاه أبنائهم ، فنشأ أطفالهم نرجسيين ؛ أنانيين ؛ ذاتيين أكثر فأكثر إلى حد لا يمكن معه معارضة حاجيات وطلباتهم تحاشيا لغضبهم والذي كثيرا ما يجلب لهم متاعب لا سبيل لمقاومتها كالتلصص والسرقة والكذب والخداع

 

مواصفات الشخصية النرجسية

 

يمكن الوقوف على أنماط من سلوكيات الشخصية النرجسية في سياق الحياة اليومية العامة . وفيما يلي عينة منها :

* شخص ينفر من النقد ويعادي كل من توجهت إليه أصابع الاتهام ؛

* شخصية فظة ؛ يحرص بكل الوسائل على إشباع حاجياته ونزواته كيفما اتفق له ؛

* لا يقبل بالرأي الآخر ولا يؤمن بالتوافقات في الرأي ؛

* صلب النقاش ولا يمكنه التخلي عن رأيه مهما كان خارجا عن سياق المنطق والصواب ؛

* يزدري كل من لا يوافقه الرأي وأحيانا يتحاشى التواصل معه ؛

* من الصعوبة بمكان انخراطه في عمل جمعوي تعاوني ؛

* يلجأ إلى أسلوب الخداع إذا ما أحس بتهديد مصالحه أو عدم الرضوخ لها من قبل الآخر ؛

* لا يمكن لرأي سليم موضوعي ونزيه أن يصدر عن شخصية نرجسية .

 

النرجسية ومناهجنا التعليمية

 

كانت إلى عهد قريب بعض مناهجنا التعليمية وخاصة الديداكتيكية منها تنص على تعليم الأطفال والنشء منذ المراحل الأولى للتعليم أوليات النقد والقبول برأي الآخر في صورة تبادل الكراريس بين التلاميذ وتولي تصحيح فروض وإنجازات بعضهم البعض في جو يسوده نكران الذاتية والتحلي بقدر كبير من المسؤولية .. رغم ما كان يشوب هذه العملية من وشوشة بعضهم “بغض الطرف” عن سقطات وأخطاء هذا أو ذاك … لكن هذا التقليد لم يعد العمل جار به اليوم لما كان يجلبه من عداوة وخصومات بين مجموعة تلاميذ الصف الواحد .

 

شخصية المواطن العربي في الميزان

 

يمكن مقاربة هذا الموضوع من خلال رصد المواقف الحياتية لهذا المواطن سواء تجاه البيئة المحيطة أو الأفراد الآخرين ، أو من خلال الحوادث الجنحية التي تعج بها ردهات المحاكم أو تحملها القصاصات الإخبارية .

وكثيرا ما نلاحظ أن مجرد خلاف بسيط تافه يقود صاحبيهما إلى السجن إن لم يكن القبر مباشرة ، هذا عدا أوجه الفظاظة التي تعتري سلوكيات نعايش أصحابها صباح مساء ، ولا يقبلون بالحوار أو المهادنة حتى إن مجرد التنازل عن جزء تافه من “مطالبهم” يعد برأيهم انهزاما وانكسارا لوجودهم فلا يتورعون عن إتيان الأفظع .. فالتعصب الأعمى أو بالأحرى النرجسية الحانقة هي التي تصدر عنها مواقفهم وسلوكياتهم الفجة .

 

 

ما رأيك؟
المجموع 7 آراء
1

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في أراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

تأملات في الذكرى الثامنة لحراك 20 فبراير المجيد

يجب اليوم الإقرار وبمناسبة الذكرى الثامنة لحراك 20 فبراير المجيد بأن الحلم بمغرب الديمقراط…